عن يوم المسرح العالمي في بيروت ٢٠٢٦
المنذر الدمني
يحتفل المسرحيون في ٢٧ آذار من كل عام بيوم المسرح العالمي، حيث يختار المعهد الدولي للمسرح سنويًا أحد صنّاع المسرح لكتابة رسالة هذه المناسبة. غالبًا ما تتناول الرّسالة واقع المسرح في ظل التحولات التي يشهدها العالم، لتُقرأ على مسارح مختلفة حول العالم ضمن احتفاليات تحتفي بالمسرح ودوره. س
لقد وقع الاختيار عبر السنوات على عدد من المسرحيين العرب، كان أولهم الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس عام ١٩٩٦، حيث كتب رسالته الشهيرة "الجوع إلى الحوار"، معلنًا عبارته التي أصبحت علامة فارقة: "إن ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ، إننا محكومون بالأمل"، كما كتب الرسالة لعام ٢٠٠٧ المسرحي الإماراتي سلطان بن محمد القاسمي وشاركت في كتابتها عام ٢٠١٨ مايا زبيب وهي كاتبة مسرحية لبنانية وعضوة مؤسِّسة في فرقة "زقاق".ي
من الجدير بالذكر أن المعهد الدولي للمسرح تأسّس عام ١٩٤٨ برعاية منظمة اليونسكو، أي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبدايات الحرب الباردة، بهدف خلق فضاء إبداعي عالمي يساهم في كسر "الجدار الجليدي" بين الشرق والغرب، وفق تعبير موقع المعهد على الإنترنت. أما يوم المسرح العالمي فقد أُطلق عام ١٩٦٢، بالتزامن مع افتتاح مسرح الأمم في باريس، ليغدو تقليدًا سنويًا وطقسًا احتفاليًا مشتركًا بين مسرحيي العالم. وفي هذا العام، تم اختيار الممثل الأمريكي ويليم دافو لكتابة رسالة يوم المسرح العالمي.ب
بعد قراءة رسالة هذا العام، قرّرنا في تعاونية المسرح في بيروت أن نكسر النمط التقليدي للاحتفال الذي يكتفي عادة بقراءة الرسالة وتقديم عرض احتفالي، فاخترنا أن نحتفي بيوم المسرح العالمي عبر محاولة خلق مساحة للتفكير والحوار حول دور المسرح والفن والمجتمع المدني في ظل الحرب التي نعيشها اليوم، إذ قمنا بعد قراءة الرسالة بفتح نقاش تفاعلي مع الجمهور حول مضامينها وأسئلتها، قبل أن نختتم بعرضٍ مصوّر لمسرحية "بوابة فاطمة" (إنتاج ٢٠٠٦) من إخراج روجيه عساف.ب
إشكاليّة رسالة ويليم دافو في يوم المسرح
في معرض الرّسالة التي ترتكز أساسًا على تجربة ويليم دافو الشخصيّة في المسرح، يبدو واضحًا أنّ دافو يستهلّ خطابه بمحاولة تثبيت شرعيّته في الحديث عن المسرح انطلاقًا من كونه معروفًا لدى الجمهور عبر السّينما، كما يشير هو نفسه. ومن خلال استحضاره لتجاربه المسرحيّة في نيويورك مع مجموعات مثل "البيفورمنغ غاراج" وفرقة "ووستر"، خلال الفترة الممتدّة من أواخر الثمانينيّات حتى بدايات الألفيّة، يؤكّد على أهميّة الاستمرار في العمل المسرحي حتّى في ظلّ حضور جماهيريّ محدود.ب
يتوقف دافو أيضاً عند فكرة "العروض قيد التطوير" باعتبارها صيغة تُتيح خلق تواصل حيّ ومستمرّ بين صنّاع العمل والجمهور، بعيدًا عن نماذج الإنتاجات المكتملة والضّخمة، غير أن انتقاله لاحقًا إلى البعد السياسي والاجتماعي للمسرح يأتي بشكل عابر، حيث يربطه أساسًا بفكرة فهم الذات دون تعميقٍ كافٍ لهذا الطرح.ي
فيما بعد ينتقل دافو إلى مقاربة إشكاليّة، حين يضع المسرح في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي، متسائلًا عن معنى "التواصل الحقيقي". في هذا السّياق، يطرح أن الإنترنت قادر على إنتاج الأسئلة، لكنه عاجز عن خلق الدّهشة، في حين أن المسرح يمتلك هذه القدرة. إلا أن هذه المقارنة تثير تساؤلات نقدية: ما طبيعة الأسئلة التي ينتجها الإنترنت، وهل يمكن مقارنتها بأسئلة المسرح؟ وهل يُفترض أصلًا بالإنترنت أن ينتج "دهشة"؟ وإلى أي مدى تُعدّ هذه الثنائية مناسبة لتأكيد خصوصيّة التجربة المسرحيّة وعلاقتها بالجمهور؟
يختتم دافو رسالته بالدعوة إلى عدم اختزال المسرح ضمن منطق السّوق والرّبح، أو ضمن الأطر الكلاسيكيّة المحافظة التي تكتفي بإعادة إنتاج تقاليدها، مؤكدًا في المقابل أن المسرح يظلّ قادرًا على خلق خيالٍ يفتح إمكانيّات لما يمكن أن يكون عليه عالمنا. ب
أمّا نقاش الرّسالة مع جمهور التعاونية فقد جاء على مستويين متوازيين:ب
على المستوى الأول، المتعلق بالرسالة بحدّ ذاتها، طُرحت تساؤلات نقديّة حول الكيفيّة التي صوّر بها ويليم دافو المسرح، إذ بدا وكأنه كيان مستقلّ ومنفصل عن صنّاعه، مشبعٌ بنبرة حنينيّة تستدعي "إنقاذه"، كما أُخذ عليه خلق صراع غير موضوعي مع وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب ميلٍ واضح لتجنّب البعد السياسي. حتى عند استحضاره لتجربته في نيويورك خلال الثمانينيات، غاب أيّ ذكر للصراع المسرحي مع السياقات السياسيّة والسلطويّة التي أسهمت في نشوء تجارب مثل الأوف-برودواي والأوف-أوف-برودواي. بهذا الصدد، بدت الرّسالة - بالنسبة إلى المشاركين في النقاش - خاليةً من الأبعاد السياسيّة والاجتماعيّة بل وحتى من العمق المسرحي، إلى حدّ أنها ظهرت كخطاب عام لا يترك أثرًا حقيقيًا ولا يطرح سؤالًا بليغًا أو موقفًا واضحًا.ب
أما المستوى الثاني، فقد تمحور حول السياق السّياسي والاجتماعي الرّاهن الذي يعيشه العالم، وهنا برز سؤال إشكالي: هل تمثّل هذه الرسالة الموقف المناسب لمسرحيٍّ ومثقّفٍ أمريكي في ظل حربٍ طاحنة تقودها الولايات المتحدة اليوم؟ وفي ظرف استثنائي كهذا، ما الدّور الذي يمكن أن يلعبه المسرح في اشتباكه مع التكنولوجيا والشاشات والسياسة والحرب؟
ضمن هذا الإطار، استحضرنا رسالة يوم المسرح العالمي التي كتبها سعد الله ونوس مُشدّداً فيها على مركزيّة "الحوار" والجوع المجتمعي إليه بكونه جوهر الفعل المسرحي، إذ يتحدّث عن المسرح بكونه فنّ الحوار وذلك على مستويات متعدّدة: حوار الشخصيات على الخشبة، حوار العرض مع الجمهور، ثم الحوار الأوسع الذي ينشأ بين العرض وجمهوره كطقس حيّ داخل المدينة.ث
يؤكّد ونّوس أيضًا في رسالته أنّ المسرح ليس كيانًا معزولًا، بل جزءًا من معركة الثقافة الأوسع، تلك التي قد تكون اليوم إحدى أكثر ساحات المواجهة تأثيرًا وإلحاحًا، فيُذكّر بالمسرح كظاهرة ديمقراطيّة ويسترجع علاقة المسرح العضويّة مع تجلّيات المجتمع المدني الذي يُفترض أن يكون حاضرًا وفاعلًا في مثل هذه اللحظات، وأن يسائل نفسه باستمرار حول دوره السياسي والاجتماعي والثقافي في زمن الحرب وفي مواجهة تجلياتها اليومية.ف
استحضرنا خلال النقاش أيضًا العلاقة الشخصيّة التي ربطت ونّوس بالمسرح وخاصةً اعتبارَه الكتابةَ المسرحية وسيلةً لمقاومة المرض - في إشارة إلى السرطان - وهو ما يعكس تصورًا للمثقف يربط بين الفعل الثقافي والمسرحي تحديدًا والفعل السياسي والاجتماعي كضرورةٍ إنسانيّة وحياتيّة، فيصبح المسرح فعلًا مقاومًا يعلن - كما قال ونوس- الانحياز إلى الأمل والعناد في مواجهة سرديّات تسعى إلى فرض "نهاية التاريخ".ح
مسرحة الحكايات الشعبية في تجربة روجيه عساف
بعد النقاش، اخترنا أن نختتم الفعالية بعرض مسرحيّة "بوّابة فاطمة"؛ العمل الذي أُنتج عام ٢٠٠٦ وتناول سياق حرب تموز ٢٠٠٦ بما حملته من آثار كارثية تمثّلت في مقتل أكثر من ١٢٠٠ شخص وإصابة نحو ٤٠٠٠ آخرين ونزوح ما يقارب المليون من جنوب لبنان.ض
يأتي هذا الاختيار في سياق استحضار تجربة روجيه عساف في المسرح العربي كأحد أبرز عامليه والذي ارتبط مشروعه ارتباطًا وثيقًا بالمسرح السياسي ساعيًا إلى بناء علاقة عضويّة مع المجتمع المدني؛ لقد قام مشروع عسّاف على مسرحة الحكايات الشعبية والعمل المباشر مع المجتمعات المحليّة، حيث شكّلت هذه الأخيرة المصدرَ الأساسيّ للمواد الحكائيّة وكانت الجمهور الأول والمخاطَب الرئيسي للمشروع، وبذلك كان لقرى الجنوب اللبناني حضورًا مركزيًا في أعماله.ح
بدأ عساف مسيرته في المسرح السياسي بالتعاون مع نضال الأشقر في "محترف بيروت للمسرح" الذي أسّس لحالة جديدة في المسرح اللبناني من خلال اعتماد اللغة العامية والاقتراب من القضايا اليومية والإشكاليات الاجتماعية. ومن بين هذه التجارب مسرحية "كارت بلانش" التي ساهم في كتابتها الشاعر والكاتب المسرحي اللبناني عصام محفوظ.خ
غير أنّ العمل الذي أثار جدلًا واسعًا في أواخر الستينيات كان مسرحيّة "مجدلون" التي استمدّت اسمها من قرية مجدلون في جنوب لبنان. تناولت المسرحية قضايا الحراك الطلابي والعمل الفدائي الفلسطيني، إلى جانب حياة العاملين في زراعة التبغ وذلك في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على الجنوب. مُنعت هذه المسرحيّة من العرض، إلا أن صنّاعها أصرّوا على تقديمها، فانتقلوا بها إلى ممرّات المسرح و أزقة شارع الحمرا، وصولًا إلى "كافيه الهورس شو"، قبل أن ينتهي العرض باعتقال عساف والأشقر ومعهم عدد من الصحافيين والمثقفين.خ
يشكّل هذا الحدث مثالًا جليًا على طبيعة الفعل المسرحي باعتباره طقسًا حيًّا قادرًا على خلق حوار مفتوح بين العرض والجمهور والمدينة وأيضًا مع السلطة بما يحمله ذلك من توترٍ وإمكانات اشتباكٍ حقيقية.غ
في المرحلة الثانية من مسيرته، أسّس روجيه عساف "فرقة الحكواتي" التي شكّلت منعطفًا أساسيًا في مشروعه المسرحي، ومن أبرز إنتاجاتها مسرحية "أيام الخيام" (١٩٨٢) التي جاءت قبيل اجتياح لبنان من قبل الاحتلال الاسرائيلي ١٩٨٢ وتناولت في مضمونها اجتياح ١٩٧٨ لجنوب لبنان، إلى جانب المجزرة التي قام بها الاحتلال في بلدة الخيام والتي ذهب ضحيتها عددٌ كبير من الرجال المسنّين.ح
تستعيد المسرحية أيضًا حكاية الحاج محمد الذي نجا مصادفةً لوجوده عند ابنه في حيّ السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم المجزرة، ليجد نفسه لاحقًا مطاردًا بثقل هذه النجاة في مسارٍ ينتهي بإلقاء نفسه في بحر بيروت. تُبيّن هذه الحكاية المسار الإنساني المأزوم وأسئلة الذاكرة والنجاة والذنب الذين تخلقهم المجزرة حتى بعد أن تنتهي.ص
اعتمد العرض على منطق "مسرح الحكواتي" الذي كسر تقاليد الفضاء المسرحي الكلاسيكي، فلم تعد الخشبة هي مركز الفعل، وإنّما تحوّلت الصالة بأكملها إلى مساحة للّعب، كما لم يعد الجمهور متلقّيًا سلبيًا، وإنّما شريكًا فعليًا في بناء العرض، ذلك من خلال استحضار قصصه وتجاربِه التي يعيد الممثلون صياغتها داخل الحدث المسرحي، ممّا حوّل العرض المسرحي إلى طقسٍ جماعيّ يرتقي بحدود التلقّي التقليدي ليصير فعلًا واعيًا لإنتاج المعنى يوثّق السرديات ويعيد مساءلتها وفتحَها على أفقٍ حيّ ومشترك.ض
بوابة فاطمة
أما المرحلة الأخيرة من تجربة روجيه عساف، فتمثّلت في عمله مع "جمعيّة شمس" التي تتّخذ من "مسرح دوّار الشمس" في الطيونّة-بيروت مقرًا لها. أنتجت هذه الجمعية عددًا من الأعمال لعلّ أبرزها مسرحيّة "بوابة فاطمة" التي اخترنا تقديمها في يوم المسرح العالمي، والتي تمّ إنتاجها أواخر عام ٢٠٠٦ وبدايات ٢٠٠٧ وتناولت حرب تموز ٢٠٠٦ كحدثٍ راهن يمكن تجاوزه تاريخيًا وجغرافيًا نحو تفكيك سرديّات الحرب وامتداداتها.ر
تُفتتح المسرحيّة بظهور عسّاف على الخشبة بشخصه كاسرًا الجدار الرابع منذ اللحظة الأولى ومقيمًا علاقة مباشرة مع الجمهور عبر سؤال الحقيقة والواقع. إذ يستخدم شاشة في عمق الخشبة ليبثّ صورة حيّة للجمهور في إشارةٍ إلى ما يبدو وكأنه نقلٌ "واقعي" للواقع، قبل أن يُقوّض هذه الفكرة نفسها مؤكدًا أن الصورة وحدها قد تكون خالية من المعنى. من هذه النقطة، ينطلق العرض نحو حكايته الأساسية: "بوابة فاطمة"، وهي البوابة الأخيرة التي تفصل جنوب لبنان عن شمال فلسطين المحتلّة، ومن خلالها يبدأ البحث في أصل التسمية.ث
يتقدّم العرض عبر تعدّد السرديات حول "فاطمة": أهي الطفلة التي نُقلت والدتها للعلاج بعد إصابتها برصاص الاحتلال؟ أم المرأة الحامل التي اقتيدت لتلد في الجانب الآخر؟ أم أنها صورة رمزيّة لنساء الجنوب العاملات في الأرض؟ في هذا التعدد يتم مساءلة فكرة السرديّة ذاتها وإبراز علاقتها بالتاريخ والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة منذ الأربعينيات.م
يتعمّق هذا الاشتباك عبر مواجهة درامية بين الممثلتَين حنان الحاج علي وزينة صعب، حيث تتقاطع السردية الإسرائيلية مع السردية اللبنانية-الفلسطينية. يوظّف العرض وثائق وخطابات سياسية من حرب ٢٠٠٦ كاشفًا آليات التبرير التي تتراوح بين استدعاء معاداة السامية وخطابات المظلوميّة والذرائع الإنسانيّة والعسكريّة. في المقابل، تُطرح سرديّات الضّحايا كمدخل لسؤال أعمق: كيف يمكن مواجهة هذه السرديّات دون الاكتفاء بإعادة إنتاج خطاب المظلومية؟
يتنقّل العرض بين حكايات متعدّدة، منها حكاية الرّجل العالق تحت أنقاض منزله بعد عودته لاستعادة أغراضه، حيث يتشكّل مشهد إنساني بالغ التأثير في علاقته بهاتفه وبالعالم وبذاكرته. يُكسرهذا التأثير عمدًا حين يخرج عساف من الدّور ليُخضع المشهد للمساءلة وإعادة التفكير والتفكيك.ش
أمّا في حكاية "الست وردة" التي تنتظر ابنها الذي ابتلعه البحر، تتشكّل علاقة رمزية بينها وبين السلاحف التي تزورها سنويًا قبل أن تُقصف بدورها، في إشارة إلى اتّساع دائرة العنف حتى تشمل الطبيعة ذاتها.ص
ولا يغيب البعد النقدي الذاتي، إذ ينتقل العرض إلى حكاية بيروت، من خلال قصّة طالبة جامعية تنحدر إلى مصير مأساوي تحت وطأة العنف الذكوري والتفكّك الاجتماعي في توازٍ مع عنف الحرب. تتقاطع هذه الحكاية مع صورة المدينة التي تتآكل خلف واجهات التّجميل الزائفة لتطرح سؤالًا وجوديًا: كيف ينعكس العنف السياسي على البنية الاجتماعية واليومية للمدينة وسكانها؟
تُختتم المسرحية بسؤال الوطن والسّفر، عبر استعادة صورة بيت "فاطمة" الذي دُمّر ولم يبقَ منه سوى بوّابته لتتحول "بوابة فاطمة" من معلمٍ جغرافيّ إلى رمزٍ مفتوح: بداية للحكايات ونهاية لها وأداة لمساءلة طرائق سردها.ؤ
على المستوى الجمالي، يستند العرض إلى مقاربة تستلهم برتولت بريخت دون أن تستنسخه، إذ يطوّر عساف أسلوبه الخاص المنبثق من تجربته الممتدّة من "محترف بيروت" إلى "الحكواتي" وصولًا إلى "جمعيّة شمس"، وهو أسلوب يتعدّى التّوثيق والتأثير العاطفي إلى مساءلة الحكايات وتفكيك السرديّات.ا
يأتي اختيارنا إذًا لهذا العمل في سياق الحرب التي نعيشها اليوم لنتساءل: كيف نفهم جذور الصّراع وتاريخه؟ ما الذي يبقى ثابتًا وما الذي يتغيّر؟ كيف يمكن نقد حركات المقاومة دون الوقوع في تبسيط السرديّات؟ وكيف ننتج خطابًا نقديًا يتجاوز اللّحظة الراهنة ويعيد وضع الصّراع في سياقه التاريخي بعيدًا عن الروايات التي تختزله في آنية الحدث؟
لهذا الغرض قررنا في التعاونية أن نقرأ رسالة يوم المسرح كخطابٍ قابلٍ للمساءلة والتفكيك وسعَينا إلى نزع هذه القدسيّة عن احتفاليّات يوم المسرح عبر فتح النقاش حول الرسالة نفسها وتحليل ما تقترحه وما تغفله في محاولة صياغة خطابنا وسرديّتنا نحن، وذلك انطلاقًا من واقعنا وأسئلتنا.ؤ
لقد تحدّث ونوس عن "الحرب الثقافية" بكونها أفقًا للمواجهة وعن المسرح كحاجة ملحّة من حاجات المجتمع المدني وهو ذاته المجتمع الذي سعت تجربة روجيه عساف إلى بنائه في لبنان، قبل الحرب وبعدها. لذلك عندما أردنا التمرّد على "شكل الاحتفاليّة" عبر فعل مسرحي حيّ، حاولنا استحضار عرض "بوابة فاطمة" وكلمة سعد الله ونوس ببعدهما الأعمق، أي كمجالَين حيّين للتفكير.ب
ختامًا، إن العودة إلى هذه المسرحيّة وإلى كلمات ونوس لا تنبع من نزعة تقديس، بل من رغبة في البحث؛ بحث عن أسئلتنا التي بدأوا بطرحها وعن موقعنا في هذا العالم المضطرب. إنها عودة للتعلّم من التجربة، محاورتها وتجاوزها أيضًا بحبٍّ وتمرّد.ل
صور خاصة بتعاونية المسرح في بيروت
المنذر الدمني
صانع مسرحي (كاتب- دراماتورج- مخرج) وناقد فني، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية قسم الدراسات المسرحية في دمشق وطالب ماجستير في الدراسات المسرحية والسينمائية في الجامعة اليسوعية في بيروت، يعمل بشكل أساسي على علاقة الموت والحرية وتجلياتها في السلوك الإنساني خصوصاً ما بعد انفجار الـ ٢٠١١. أنتج من خلال بحثه كدراماتورج ومخرج العديد من العروض المسرحية التي تناقش هذه الثنائية في دمشق وبيروت وعمّان. يمارس الصحافة والنقد الفني وينشر مع العديد من الصحف والمجلات والمواقع.ع