خارج إسمنت الحدود: في بحر اللغة التي تصنع جالية وتقصي أخرى
أنس يونس
هذا النص شهادة ذاتيّة، تنطلق من تجربة شخصيّة في الهجرة واللجوء والعمل الثقافي، وتتحرّك بين التأمّل والمساءلة. لا يزعم النص الحياد الأكاديمي، ويعلن بوضوح عن انحيازه لموقع الفاعل الثقافي الذي يعيش في هامش الهامش. ومع ذلك، يطمح إلى فحص المفاهيم التي يستخدمها بوصفها أدوات تحليليّة تتقاطع فيها المستويات الأخلاقية والسياسية والمعرفية.ة
انطلاقًا من هذه الاعتبارات النسبيّة، سأعرض سلسلةً من الملاحظات والتعليقات والأسئلة من موضعي كـ"مهاجر" سوري المنشأ، عربي اللسان، مقيم في أوروبا، ويعمل كمدرّس في مراكز اللجوء في هولندا مع "القادمين الجدد" كما تطلق عليهم وزارة الخارجية الهولندية، مع إدراكي الكامل لحقيقة أنّ ما أحاول استفزازه قد لا يكون قابلًا للتطبيق في كل حالات الهجرة واللجوء وقد يختلف من مكان إلى آخر. كما وجب التنويه أنني بتموضعي ضمن سياق هذه المادة والأسئلة لا أضع نفسي بمسافة أمان عن الموضوعة، إذ أحاول المساءلة بدايةً من موقفي ودوري وامتيازاتي.ي
يأتي هذا النص إذًا كمحاولة لتفكيك مفهوم الجالية من منظور شخصي، وأيضا لمساءلة لدور المثقف أو ربما الفاعل الثقافي وعلاقته مع المفهوم من نفس المنظور.ر
بدايةً: ما الجالية؟ من يصنعها؟ هل تتكوّن من تلقاء نفسها لمجرد وجود عدد من السوريين في مدينة ما خارج سوريا؟ هل هي حالة ديموغرافيّة، أم تشكيل سياسي واقتصادي؟
بشكل مباشر: ما معنى أن تكون "جالية"؟ هل الجالية مجتمع متماسك؟ أم رأس مال اجتماعي في طور التّكوين؟ أهي مجاز مريح لستر واقع مشتت من لاجئين ومنفيين ومهاجرين يعملون في المصانع أو ينامون في مراكز الإيواء؟ هل يستطيع من يعيش على "الجوب سنتر"(*) أن يتحول إلى "جالية"، أم أن الجالية لا تُولد إلا حين يتكوّن لوبي؟
هل الجالية ضرورة أم نتيجة طبيعية؟ هل يوجد أشكال "جالية" مختلفة عمّا نعرفه؟ هل هنالك خيار ما بين بين؟ أهنالك شكل آخر منها ضروري وممكن في آن معًا؟ وما هي إمكانيات زعزعة المفهوم الرّاكد اليوم ومساءلة منظومته؟ هل يُمكن لمن يعمل ضمن بنية التمويل الثقافي الأوروبية أن يطرح أسئلة نقديّة عن الجالية؟ كيف يمكن للمثقّف الموصوف في البيروقراطيّات الأوروبية بـ"المهاجر الماهر"، أن يتحدث بلسان "اللاجئ عديم الحقوق"؟ من يملك تمثيل من؟ ومن يمنح الشرعيّة لمن؟
هذه الأسئلة قد لا يملك المثقف أجوبتها، لكنّه ملزم بأن يطرحها. أن يحفر في اللغة حتى تظهر النّدبة، أن يصمت حين يقتضي الأمر، لكن ألّا يصمت للأبد. أن يعرف أن التّماهي مع صورة "المثقّف النخبوي" أو "اللاجئ الضحيّة" أو "المنفي الرومانسي" لا يكفي لبناء موقع أخلاقي أو فعاليّة حقيقيّة. لأنّنا في النهاية لا نعيش في مدن المهجر فقط، بل في مفترق زمني قد يكون الوحيد الذي نملك فيه حرية القول قبل أن يأتي جيل جديد يسألنا كما نسأل نحن الآن: من كان يكتب إذ كنّا نحترق؟ ومن ظلّ صامتًا لأنّ التمويل لم يشمل الغضب؟ ومن تفرَّغ لإعادة تعريف الهويّة في "سياقات عابرة للحدود" بينما كان المطار لا يزال يُعيد المسافرين إلى المقابر؟ في لحظة كهذه، لا نملك ترف التهذيب، ولا الوقت لإعادة كتابة السير الذاتية. كلّ ما نملكه هو الاعتراف. والاعتراف ليس نهاية السّرد، بل بدايته.ه.
وقبل الخوض في العدسات المتعدّدة لتشريح المفهوم في النص وجب التفريق بين جيلين أساسيين من الجالية بما أنّني أتّحدث عن عيّنة الجالية السوريّة في أوروبا، أو لأكون أكثر دقّة في دول وسط وشمال أوروبا.ا
الجيلان: ما قبل ٢٠١١ وما بعدها
الجالية السوريّة ما قبل ٢٠١١: تكوّنت عبر عقود طويلة من الهجرة الانتقائيّة والهادئة، وضمّت نخبًا اقتصاديّة ومهنيّة من أطباء، مهندسين، أساتذة جامعيين وتجّار. استفادت هذه الفئة من وقتٍ كافٍ للاستقرار، ومن دعم شبكات سوريّة محليّة ودوليّة، فأسّست جمعيّات ومنتديات ومنصّات، وامتلكت خطابًا ناضجًا نسبيًا تجاه البلد المضيف، دون أن تعاني عمومًا من الاضطرار أو الخوف السّياسي.ي
الجالية السوريّة ما بعد ٢٠١١: تشكّلت في ظلّ الانفجار، في زمن الهرب، لا في زمن التّخطيط. وجاءت تحت سياق اللجوء لا الهجرة، فحملت وجع الخسارة لا طموح الصعود. ومع أنّ هذه الفئة تضمّنت هي الأخرى مثقفين وأكاديميين وفنانين، إلا أنّ السياق الطارئ سلبها إمكانيّة التّعبير عن رأس مالها الرّمزي. عاد الجميع إلى نقطة الصّفر: لغة جديدة، أنظمة لا يفهمونها، مراكز لجوء، تحقيقات أمنيّة، "جوب سنتر"، "أوت كيرينغ"(**)، وعبارات بيروقراطيّة تسبق تعريف الذّات.ت
لهذا التمييز طابع طبقي–رمزي، وهو خاضع لتأثير الظرف الدولي، الذي أسهم منذ البداية في تشكيل الوضع البيروقراطي للجالية، كما أثّر في التصوّر الاجتماعي للمجال العام داخل بلدان الاستقرار.ر
لماذا نعيد طرح المفهوم الآن؟
لأن لحظة ما بعد الأسد، وما بعد المنفى الكارثي، هي لحظة حاسمة في إعادة تعريف الذّات. ولأن السوريين في الخارج بدأوا ـ ولو بشكل متواضع ـ في تشكيل بنى جديدة: تجمّعات، لجان، مبادرات ومحاولات تشبيك عابرة للبلدان. وإن لم يُساءل مفهوم "الجالية" الذي يُوظّف داخل هذه المحاولات، فإنها ستعيد إنتاج المنظومات ذاتها التي كرّست التهميش والفوقية، لكن هذه المرة في المنفى، لا في الشام.م
إزاء ذلك، نطرح الأسئلة بصيغة مضادّة: هل نريد "جالية" بالمفهوم التقليدي؟ هل الجالية غاية، أم وسيلة؟
لا نقترح إلغاء المفهوم، بل إخضاعه لنقده الضروري، والاعتراف بأنه ليس اسمًا جامعًا اليوم، بل مشروعًا قيد التشكل، يتطلّب مساءلة مستمرة ومحاسبة من الدّاخل، قبل أن يُعاد تدويره كصورة "نموذجيّة" عن النّجاح السوريّ في الخارج.ج
أولًا: مفهوم الجالية كمصطلح تداولي وشعبي
في هذا القسم، أحاول الابتعاد عن الموقع الأكاديمي أو التنظيمي في اشتغالي على مفهوم "الجالية" منطلقًا من المستوى التّداولي والشعبيّ، أي من اللغة اليوميّة التي تُستخدم بها الكلمة داخل الفضاء العام السوري–الأوروبي. ما يعنيني هنا هو كيف نتداول المفردة، وماذا نخفي أو نُظهر حين نستخدمها، ومتى نلجأ إليها، ولأيّ غاية. ولذا أطرح أسئلة بناءً على تجربتي اليومية في العمل مع اللاجئين الجدد: ما معنى أن نُطلق على السوريين في أوروبا اسم "جالية"؟ من يحق له أن يُصنَّف ضمنها؟ وهل تكفي الجغرافيا وحدها لتكوينها؟ هل هي تعبير عن واقع قائم، أم استيهام لغوي نختبئ خلفه لنقنع أنفسنا بأننا ننتمي إلى شيء مشترك، حتى لو لم يكن موجودًا؟
حين نقول "جالية" قد نظن أننا نستخدم مصطلحًا محايدًا، لكنّه في الحقيقة مُحمّل بالافتراضات الطبقيّة والسياسيّة، ومرتبط بما يسمى بـ"التمثيل" في بيئة الهجرة، تمامًا كما تتورّط مفردات مثل "لاجئ" أو "مهاجر" أو "منفي" في شبكاتٍ رمزيّة لا تقلّ سلطةً عن تلك التي تنتجها القوانين. تبدو الجالية، في هذا المستوى، تصنيفًا مريحًا يقدّم وهم الانتماء والاستقرار، لكنه قد يُستخدم كذلك كقناع يُخفي الهشاشة والانقسام داخل الجماعات السوريّة في أوروبا. هي كلمة تنتمي أكثر إلى الخطاب البيروقراطيّ منها إلى اللغة الذاتيّة. كلمة ترِد في بيانات السّفارات، وفي خطابات المسؤولين، وفي طلبات التمويل وأسماء الجمعيّات الرسميّة. لكن ماذا تعني حقًا حين ينطقها لاجئ يعيش في مركز إيواء؟ أو شاب سوريّ يعمل في مطبخ مطعم تركي؟
فكلمة "جالية" ـ التي تبدو في ظاهرها محايدة أو حتى إيجابيّة ـ تُستعمل لتوحيد فئة مشتّتة، ولكنها تفعل ذلك بإقصاء فئات أخرى ضمنيًا: من لا يُجيد اللغة، من لم يُدمج بعد، من لم يجد عملًا، من لم يدخل بعد في الأطر التنظيمية المعترف بها. هي كلمة قد تبدو "جامعة"، لكنها في الحقيقة تصنع داخلًا وخارجًا، مركزًا وهامشًا.ا
من هذه الزّاوية، تصبح اللغة نفسها موضوع مساءلة. فاللغة، كما أتناولها هنا، ليست مجرد وسيلة تعبير، وإنما هي الموقع الذي تتشكّل فيه هوياتنا في المنفى، حيث الكلمات تُعيد ترتيب الانتماءات، وتوزِّع الناس على خرائطٍ جديدة من الشرعيّة والتّمثيل.ل
في معجم المعاني، تُعرَّف الجالية بأنها "الذين جَلَوْا عن أوطانهم؛ جماعةٌ من الناس تعيش في وطن جديد غير وطنهم الأصل"، لكن هذا التّعريف، وإن بدا بسيطًا، يتجاهل الديناميات الطبقيّة والسياسيّة التي ترافق عملية التحوّل من مجموعة لاجئين أو مهاجرين إلى "جالية" معترف بها.ا
وبمقارنة هذه المفردة مع مفاهيم أخرى، مثل اللاجئ، والمنفي، والمهاجر، يتّضح لي كيف أنّ كلّ تسمية هي موقع سياسي واجتماعي، وليست توصيفًا قانونيًا فقط.ط
كل هذه التّصنيفات تُظهر كيف تعمل اللغة بوصفها حقلًا للصّراع الرمزيّ، وكيف أن اختيارنا لمفردة دون أخرى ليس قرارًا بريئًا، بل موقعًا سياسيًا في ذاته. ولهذا، حين نُركّب خطابًا على مفهوم "الجالية" دون مساءلته أولًا من هذا الموقع التداولي–اللغوي، فإننا ربما نُنتج خطابًا مشوّشًا، قد يتبنى المفهوم أو يعيد إنتاجه.ه
ثانيًا: الجالية كمفهوم تحليلي اجتماعي/سياسي
في هذا القسم، أنتقل إلى مقاربة مفهوم "الجالية" كمفهوم تحليلي–اجتماعي، يعمل داخل النص بوصفه بنية إنتاج رمزيّة–سياسيّة وهي مقاربة تفترض مساءلة البنية لا أفرادها، وتحليل آليات التّمثيل لا نوايا الممثّلين.ن44
ألاحظ في عملي اليومي مع اللاجئين في هولندا كيف يتحوّل التّمثيل إلى شكل من أشكال السّيطرة النّاعمة: لجان تمثيلية تُنتخب دون استشارة القاعدة، جمعيّات تُنشأ باسم الجميع دون مراجعة أحد، وجوه تتكرّر في المنصّات دون تغيير حقيقيّ في توزيع الموارد أو فرص التّأثير. هذا ليس خطأ الأفراد بقدر ما هو بنية تمثيل بعيدة عن الفعل السياسيّ ومشروطة بالاندماج البيروقراطيّ واللباقة المؤسسيّة. تَظهر "الجالية" في هذا الإطار كوهم بيروقراطي؛ خيال تنظيمي أكثر من كونه واقعًا عضويًا، وكلمة تكتبها المؤسّسات حين تحتاج إلى "آخر" منضبط، أو طرف يمكن مخاطبته، أو ترجمان يسدّ فجوة الفهم بين الدولة المضيفة و"القادمين الجدد".د
لكن هذه الكلمة، التي تُوظّف كثيرًا في الأدبيات الرسميّة وخطابات التعدديّة الثقافيّة، تُخفي التشظّي الداخليّ والانقسام الطبقيّ؛ لا تقول شيئًا عن الفروق بين من يوقّع الشراكات ومن لا يُدعى لحضور الفعاليّة، بين من يتقن لغة التمويل ومن لا يعرف كيف يعبّر عن ذاته حتى في طلب "السوسيال هاوس".س
هذا ما يجعل "الجالية"، كمفهوم اجتماعي، نسقًا مكرّسًا لإنتاج الامتياز النّاعم، إذ يُعاد تصدير أولئك الذين يستطيعون مخاطبة الدولة، تأمين تمويل، دخول الإعلام، تشكيل لوبي، بوصفهم "الجالية"، أما من هم على "الجوب سنتر"، أو يلهثون خلف فرص تدريب مدفوع أو تأهيل لغوي، فهؤلاء لا يُحسبون جالية، وإنما ظلّها. وهكذا، تتحوّل "الجالية" إلى آلية فرز طبقي–لغوي–ثقافي، تُكرّس علاقة فوقيّة بين المستقرين سابقًا وبين القادمين الجدد، وتعمل وفق منطق السيطرة نفسه الذي كان يُمارَس في الوطن: من يملك التمثيل، يملك حق الكلام.م
ثالثًا: الجالية كموقع نقدي–أخلاقي وتمثيلي
بناءً على ما ورد في القسمين السابقين، نستطيع القول إن الجالية لا تولد فقط من وجود عدد كافٍ من الناس من نفس الأصل، بل من امتلاك سرديّة جمعية، ورابطة رمزيّة، ومشروع مستقبليّ. أي أن الجالية، في هذا المستوى التّحليلي، هي بناء اجتماعي–ثقافي وسياسي، أكثر مما هي تجمّع سكانيّ عفوي.ي
هذه المجاميع، التي غالبًا ما تُختصر بكلمة "جالية"، تُمارَس عليها سلطة التّمثيل دون وجود تفويض واضح. وهنا، تبدأ المساءلة الأخلاقيّة والسياسيّة للمفهوم: من يملك تمثيل من؟ بأي حقّ تُختصر تجربة مئات الآلاف من البشر في تصريحات لجان استشاريّة أو بيانات مموّلة؟ وهل يشكّل هذا التمثيل فعل تمكين؟ أم إعادة إنتاج لتراتبيّة ناعمة تُخفي الطّبقات تحت قناع الوحدة؟
في هذا الإطار، يصبح موقع المثقّف أو الفاعل الثقافيّ مهمًا لا بكونه "منتج سرديات"، وإنما طرفًا داخل هذا الحقل المتوتر من التمثيل. إذا أردنا التعامل مع الفاعل الثقافي ليس كرمز طوباويّ، بل كواقع مركّب، علينا أولًا الاعتراف بأنه ليس خارج البنية. خاصّة في السياق الأوروبي حيث أُعيد تصنيفه بهدوء فلم يعد لاجئًا أو منفيًا؛ أصبح "مهاجرًا ماهرًا" ينتج نصوصًا وسرديات ضمن منطق السوق الثّقافي الأوروبي. يكتب بلغة يفهمها الممول، ويعبّر عن قضيّة لاجئين في مؤتمر دولي ثم يعود إلى بيته المستقرّ بفضل إقامة حماية وحساب بنكي من "السوسيال هاوس".س
المفارقة أن الفاعل الثقافي، الذي يُفترض أن يُقلق البنى التراتبيّة، غالبًا ما يُعاد إنتاجه داخلها. لا يعرف تفاصيل حياة من يعيشون في الملاجئ. لا يزورهم، لا يقرأ لهم، لا يسمعهم، ويكتب عنهم لا معهم. من هنا، لا أرى الدور المنشود لهذا الفاعل هو التعبير عن الجالية، بل زعزعة المفهوم ذاته. أن يشكك في الغاية من التمثيل ويتصدّى لمحاولات صبغ التّجربة بلون واحد. أن يسأل نفسه: لماذا أُمنح أنا المنصة؟ ولماذا أُسمى مثقفًا أو مهاجرًا ماهرًا بينما يُختزل جاري في مركز اللجوء بـ"عبء ديموغرافي"؟ وهل أكتب لأنني أريد تغيير البنية، أم لأنني أحتاج المنحة المقبلة؟
الكتابة المنفيّة - أو ما يمكن تسميته بالهجنة الثقافية، أو الخلاسية، أو الفضاء الثالث بحسب توصيف الباحث هومي بهابها (٢٠٠٤) - تشير إلى مساحة لا تكون فيها الهويّة أمرًا محسومًا أو ثابتًا. ففي كتابه موقع الثقافة، يعرّف بهابها الهجنة بأنها "حركة ترجمة تُبْقِي أسئلةَ الهوية والانتماء مفتوحة دوما على التفاوض، وعلى أن تطرح من جديد مكانا آخر وزمنا آخر وتغدو سيروارت تكرارية استقصائية لا تعيينات أوامريّة ثابتة ومسبقة"(***).ة
فالكتابة هنا ليست مجرد ممارسة ثقافية؛ هي اشتباك مع السّلطة والمعنى والهويّة. وهي تُنتَج في موقع التّوتر بين "البيت المفقود" و"المكان الجديد"، بين التمثيل الذاتي و"التمثيل القسري" الذي تفرضه الدول المُضيفة والمؤسسات الإعلاميّة. هذا التوتر هو الذي ينتج مفهوم الكتابة المنفيّة، وهو بالضبط ما يواجهه المثقف السوري اليوم: هل يكتب ليشرح نفسه للغرب، أم ليبرّر نفسه أمام جمهوره المنكسر، أم ليبني فعلًا معناه الذاتي خارج وصاية الاثنين؟ وعليه، فإن الكتابة ليست فعلًا مجردًا؛ هي فعل يكتسب دلالة الإنتاج والانخراط والاتّصال، إذ يضع واقع الفاعل الثقافي في علاقة مع الجالية.ة
ولأننا في المنفى، لا نكتب من موقع "السلطة"، لكن من هامش مزدوج (الهامش الجغرافي عن الوطن، والهامش السياسي داخل النظام العالمي الجديد)، وهذا الموقع، رغم عزلته الظاهرة، يمكن أن يكون نقطة قوة نظريّة، لأن الهامش يرى ما لا تراه المركزية، ويعيد إنتاج الثقافة من "العتبة"، من ذلك الفضاء الثالث الذي لا ينتمي بالكامل للداخل أو الخارج.ج
في لحظة الاحتمالات المفتوحة وانقلاب الرّأي العام والمجتمع الدولي تجاه حكومة الأمر الواقع، تطرأ الحاجة لأطر تنظيميّة وتمثيليّة في المهجر كي تعوّض عن نقص شبيهاتها في الدّاخل السوري ولتكمل عملها على المستوى الدولي كقناة غير مقيّدة. نملك اليوم ما يشبه الفرصة التاريخيّة لإعادة تشكيل معنى "الوطن" وبالتالي "الجالية"، خارج إسمنت الحدود، وخارج حديد السلطة، وخارج منطق "الهوية المغلقة". الوطن كحقل عمل ثقافي لا كذكرى مقدسة. الوطن كاحتمال جديد لا كخريطة منهارة.ة
الفاعل الثقافي، في هذا السياق، عليه مسؤوليّة مضاعفة لخلق خطاب نقديّ ولكن مفهوم، ولعدم السباحة عكس التيّار وخسران كل الاحتمالات بسبب الغرور التقليدي. لا بد له أن يعيد طرح نفسه ليس كصوت فوق المجتمع، وإنما كجسر بين المعنى والمعاناة، بين التجربة الفرديّة والحقيقة الجمعيّة. وهذا يتطلب تفكيكًا للمخيال الثقافي الذي ساهم لسنوات طويلة في ترسيخ مركزيّة النّخبة أو الأمة، وتجاهل الهامش الشعبي أو الرّيفي أو بكل بساطة: الآخر. فلا يمكن الاستمرار بتقديم صورة "الوطن" على أنها مساحة حضريّة علمانيّة متخيّلة، بينما يعيش غالبيّة السوريين على هامش هذه الصّورة، بل ويُدانون حين يعارضونها. ا
يبدأ التغيير الثقافي بنظري من الاعتراف بالتمزُّق، من محاولة إعادة تعريف من هو "السوري"، ومن تجاوز سرديّات النّخبة المغلقة نحو سرديّة متعدّدة الطّبقات تعترف بأنّ هناك أكثر من سوريا واحدة، وأن هذه التعددية ليست عيبًا. ولربّما يبدأ هذا التغيير من محاولة تعريف من هي "الجالية السوريّة" اليوم ولماذا نسعى إلى تأسيسها وتشكيلها، وما هي الغاية منها.ا
يتجلّى دور الفاعل الثقافي في قدرته على بناء جسور بين الجالية القديمة والجالية الجديدة، من خلال تكريس بنى قائمة على العدالة الاجتماعية تسعى لتجاوز التمايزات الطبقية بين بنيتين تحملان في الظاهر الغاية نفسها، لكن بأدوات متناقضة ومكوّنات ترى في الأخرى خصمًا أو منافسًا.ا
لا يقتصر دور الفاعل الثقافي على الوساطة، إذ يتعداها ليشمل تمهيد الطريق لتوسيع المساحات التنظيميّة والاعتراف بالجالية الجديدة، وبناء أطر تمثيلية أكثر شمولًا. كما يتطلّب التحرّر من خطاب المظلوميّة ومن سباق الاستعراض على حساب المأساة السوريّة، لصالح مقاربة تضع جميع الأطراف والمكوّنات القديمة منها والجديدة على أرضيّة مشتركة، وتعيد توجيه طاقاتها نحو غاية قاعديّة جامعة، ليست نخبويّة ولا إقصائيّة.ة
الشعب السوري كتب أكثر مما كتبت نخبته. كتب على الجدران، وفي الغرف المغلقة، وعلى صفحات فيسبوك، وفي الشوارع، وفي شهادات المحاكم الأوروبية، وفي صمته الموجع. لكن ما تحتاجه الجالية، وما تحتاجه سوريا اليوم برأيي الخاص، ليس فقط من يكتب عنها، بل من يقرأها بحق، من يسمع أصواتها التي لا تصل، من يُفكّك أشكال العنف الذي تحوّل إلى خطاب "واقعيّة"، من يبني سرديات مضادّة لا تعتمد على البطولة الفرديّة، ولا على الوهم الوطني، إنما على تفكيك الحاضر وبناء ممكن جديد.د
هل هذا كثير؟ نعم .لكن البديل هو أن نترك كل هذا لمموّلي صناعة الدراما من سعادة المستشار، و"خبراء" سياسات الهجرة الأوروبية، وصنّاع خطاب "الوطن الآمن"، وهذا باختصار ما لا يجب أن نسمح بحدوثه.ه
: جوب سنتر (*)
المؤسسة الألمانية المعنية بإعالة العاطلين عن العمل، والتي تحوّلت بمرور الوقت إلى رمز شبه طبقي؛ يشير إلى من "لم ينجح بعد" في دخول سوق العمل أو لمن هو "عالق" في بيروقراطية النجاة، وأحيانًا تستعمل كشتيمة ناعمة داخل الجالية نفسها.ا
: أوتكيرينغ (**)
الإعانة الاجتماعية الهولندية. توصف أحيانًا بأنها "شريان النجاة"، لكنها تأتي مشروطة بالمراقبة اليومية، والقلق من الاقتطاع، والاستدعاء الدوري لإثبات أنك "ما زلت تستحق".ق
(***)
(موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2004، ص 18)
أنس يونس: ممارس مسرحي وباحث ثقافي سوري، متخصص في الإنتاج الثقافي وسوسيولوجيا الثقافة. يكتب بانتظام في منصات ثقافية وفنية متخصصة بالمراجعات والنقد. وهو المدير لـ"خزّان، معمل، ثقافة"، مبادرة بحثية–ثقافية سورية تعمل عند تقاطع الفن، الثقافة والسياسة، وتركّز على تطوير مقاربات وحلول بديلة للسياسات الثقافية والإنتاج المعرفي والفني التشاركي.ي